الفساد في لبنان

الفساد في لبنان

“جبل جليد”

الظاهر معلوم وما خفي اعظم!

تقرير: مطيعة الحلاق

Main Pic2

قد يكون الربيع العربي انطلق من عباءة الفساد حيث أن حرمان المواطن من حقه الطبيعي في التوظيف والاستفادة من موارد بلاده وثرواتها الطبيعية والاستثمارية هو الذي شكّل حافزاً لانطلاق الثورات العربية التي كانت أول ما نادت به هو إنهاء الفساد المستشري في الإدارات والمؤسسات الرسمية والتي تحرم الآلاف، بل ربما الملايين، من مردود هذه المؤسسات التي ينطلق منها مبدأ التنمية المتوازنة ليعود ويصب فيها عبر إفساح المجال أمام الثروة الإنسانية بمواردها المتنوعة والمتعددة الاختصاصات من الاستفادة والإفادة على حد سواء من مواردها بشكل مستمر، عبر التوظيف في المؤسسات الرسمية التي يدفع لها المواطن الضرائب ويؤدي واجباته تجاهها دون أن ترد له “الجميل”.

وكل هذا يصب في إطار ما يعنيه الفساد الإداري والمؤسساتي مما يمكن أن نسميه  “إخفاء” لأموال وطاقات عديدة في ظل المحسوبيات والوساطة والاستزلام لأصحاب النفوذ السياسي والإقتصادي، لا سيما في قطاعات إقتصادية حيوية في إدارات الدولة ومؤسساتها العامة، ومصالحها المستقلة.

الفساد يعني كذلك المؤسسات البديلة التي تقوم بدور الدولة في تنفيذ المشاريع والتي تتولى هي نفسها مهمة الرقابة على المشاريع التي تقوم باستثمارها، واستفادتها هي دون الدولة.

شبكة عربية لمكافحة الفساد

بناء على ما سبق تنادت بعض المنظمات المتخصصة في ميادين متعددة ومتنوعة وبالشراكة بين الجهات الرسمية خاصة وزارات العدل وبين مؤسسات وجمعيات أهلية ومدنية في الوطن العربي لمواجهة ظاهرة الفساد ومعالجة أسبابها أملاً في الوصول إلى أكبر قدر من الشفافية وتعزيز النزاهة في الأداء في الدوائر الرسمية. وقد أثمرت هذه الجهود عن ولادة “الشبكة العربية لتعزيز النزاهة ومكافة الفساد” في تموز 2008 وقد أصبحت اليوم تضم 40 وزارة وهيئة حكومية وقضائية من 16 بلداً عربياً هي لبنان، المغرب، الأردن، تونس، الجزائر، ليببا، مصر، السعودية، السودان، اليمن، موريتانيا، فلسطين، العراق، قطر، البحرين وجيبوتي. كما تضم إلى جانب هذه الجهات الرسمية مجموعة من منظمات غير رسمية تمثل المجتمع المدني والإعلام والأعمال والجهات العلمية الأكاديمية.

تعمل الشبكة على تنمية قدرات أعضائها من خلال التدريب وتقديم المشورة وتقوم بتيسير تبادل المعلومات في ما بينهم،  وكذلك بين أعضائها ونظرائهم من مختلف دول العالم، لتوفر لكافة المعنيين أرضية مشتركة ومنهجاً متقارباً لمراجعة سياسات واستراتيجات مكافحة الفساد.

من هنا جاء المؤتمر الدولي الرابع للشبكة الذي عُقد في بيروت بتاريخ 16 نيسان 2013، تحت عنوان “التوفيق بين الواقع والمأمول في مجال مكافحة الفساد: نحوالمزيد من الإبتكار والتجديد”. وانطلاقاً من استضافته لأعمال المؤتمر فإن لبنان معني بمشكلة الفساد وتداعياتها.

الفساد في لبنان: نمط عيش؟

في لبنان يكاد الفساد وفضائحه يطالان كل أوجه الحياة، ولا يخفى على أحد ما شهدته الآونة الأخيرة من توالي وتلاحق الفضائح على شاشات التلفزة وفي وسائل الإعلام المختلفة وصفحات ومواقع التواصل الإجتماعي.

وربما يكون القضاء، حسب الشبكة العربية لتعزيز النزاهة، في مقدمة المؤسسات التي تشهد الفساد  نظراً لما يُفترض به أن يمثل من مصداقية وشفافية كهيئة تصون حقوق الجميع بما يعكس هيبة الدولة وسلطتها على أراضيها وبين مواطنيها.

image003

كذلك فإن الجمارك والإدارات المالية والمرافق الحيوية كالمطارات والمرافىء وسواها من الدوائر والمصالح الرسمية المستقلة، هي من المؤسسات الحساسة التي من شأنها أن تعكس شفافية ونزاهة الأداء.

إذن يقف لبنان في عين دائرة ملفات الفساد التي نشهدها في دول العالم العربي كافة. لكن الكمّ الهائل من ملفات الفساد التي انتقلت فضائحها كالنار في الهشيم من أقصى الشمال إلى أدنى الجنوب إلى بيروت، لم يمنع أكثرها من الانتهاء كزوبعة في فنجان والابتعاد عن التغطية الإعلامية التي ترافق قضية الفساد عادةً عند انفضاحها، ولا يلبث الإعلام أن يغضّ النظر عن القضية المعنية دون الوصول إلى الحل المرجو الذي يأمله المواطن اللبناني وهو صاحب الحق في استرجاع حقوقه عبر استرجاع حقوق الدولة ومواردها.

لقد طالت ملفات الفضائح والفساد في لبنان كل نواحي حياة المواطن اللبناني اليومية حتى وصلت إلى المياه التي يشربها ولقمة عيشه وقوت أولاده. وقد فوتت ممارسات الفساد على الدولة وخزينتها مبالغ بملايين الدولارات حسب ما تذكر المعلومات والتقارير، الأمر الذي سيترجَم مزيداً من الدين والعجز في الخزينة وتراجعاً في ميزان المدفوعات ومؤشرات النمو.

من نتائج الفساد المستشري: لحوم فاسدة في الأسواق

من نتائج الفساد المستشري: لحوم فاسدة في الأسواق

هكذا رأينا كيف تتوالى ملفات الفساد في لبنان منذ وقت بعيد ونحن لا نكاد ننسى ملفاً أو قضية فساد لنعود وننشغل على مدى أيام وأسابيع بخروج ملفات جديدة وفضائح غريبة إلى السطح فتقوم الدنيا ولا تقعد بشأن الفضيحة فتبدأ مظاهر “عرض العضلات” ابتداء من وسائل الإعلام، مروراً بالدوائر الرسمية المعنية، ولكن غالباً ما ينتهي المشوار عند فتح التحقيقات التي نكتشف أنها ستنام في الأدراج لحظة خروجها عبر الإعلام وكأنها لم تكن.

طالت فضائح الفساد كازينو لبنان والمنطقة الحرة في مطار بيروت وشركات المياه وقطاع الصحة والدواء الفاسد والمزور واللحوم الفاسدة والمرافق السياحية مثل مغارة جعيتا والأملاك البحرية، بالإضافة إلى ملف المهجرين وبعض البنوك وقطاع الكهرباء. هذا عدا عن المحاكم الشرعية ودارالإفتاء وتلزيم تعهدات مشاريع التأهيل للطرقات، والمناقصات والمزايدات على أنواعها للتلزيم في إنشاء المشاريع العامة. واللائحة قد تطول إلى أبعد مما يتوقعه الكثيرون وإلى أكثر بكثير مما يمكن للمواطن أن يتحمل تبعاته.

أما عن حجم الخسائر الإقتصادية الناتجة عن استشراء الفساد فتشير الأرقام المتوافرة من قبل جهات دولية وعربية معنية بالرقابة إلى حجم الكارثة والخسائر التي يتكبدها الإقتصاد اللبناني جرّاء عمليات الفساد وصفقاته. ففي عام 2001، قدّرت الأمم المتّحدة كلفة الفساد في لبنان بـ1.5 مليار دولار سنوياً (10% من الناتج حينها). بعد 12 سنة على هذا التقدير، لا تزال البلاد على الأرجح حيث كانت، إلا أن الكلفة إذا قُدّرت بذات النسبة المئوية من حجم الناتج المحلي، فقد تكون كلفة الفساد قد وصلت في أيامنا هذه إلى 4 مليارات دولار سنوياً!

-يتبع في المقال التالي-

About these ads

Tagged: , , , , ,

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 349 other followers

%d bloggers like this: